محمد طاهر الكردي
444
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الوداع ، وقد سماه قبله قاضيا لمناسكه فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج . واللّه أعلم . وقال القرطبي : المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا يعني به من هاجر من غيرها لأنه خرج جوابا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة ، إذ كانوا قد تركوها للّه تعالى فأجابهم بذلك وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة ، قال : والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى ، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه في دينه ، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة ، يمكن أن يقال إن كان تركها للّه كما فعله المهاجرون ، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك ، وإن كان تركها فرارا بدينه ليسلم له ولم يقصد إلى تركها لذاتها ، فله الرجوع إلى ذلك ، انتهى ، وهو حسن متجه إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعا أو دورا ولا حاجة إلى تخصيص المسألة بذلك . واللّه أعلم . انتهى من فتح الباري . وجاء في شرح الإمام النووي على صحيح مسلم عند الأحاديث المتقدمة ما نصه : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يقيم المهاجر بمكة بعد انقضاء نسكه ثلاثا » . وفي الرواية الأخرى : مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ، وفي رواية : للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة فإنه يقول لا يزيد عليها . معنى الحديث : أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة ، بل صاحبها في حكم المسافر ، قالوا : فإذا نوى المسافر الإقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج ، جاز له الترخص برخص السفر من القصر والفطر وغيرهما من رخصه ولا يصير له حكم المقيم ، والمراد بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثة » أي بعد رجوعه من منى كما قال في الرواية الأخرى : « بعد الصّدر » أي الصدر من منى ، وهذا كله قبل طواف الوداع ، وفي هذا دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج ، بل هو عبادة مستقلة أمر بها من أراد الخروج من مكة ، لا أنه نسك من مناسك الحج ، ولهذا لا يؤمر به المكي ومن يقيم بها ، وموضع الدلالة